الجصاص
317
أحكام القرآن
لأنه قال : ( ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) [ البقرة : 196 ] ، وكان المحل مجملا في هذه الآية ، فلما قال : ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) بين فيه ما أجمل ذكره في الآية الأولى ، فوجب أن يكون محل هدي الإحصار الحرم . ولم يختلفوا في سائر الهدايا التي يتعلق وجوبها بالإحرام مثل جزاء الصيد وفدية الأذى ودم التمتع أن محلها الحرم ، فكذلك هدي الإحصار لما تعلق وجوبه بالإحرام وجب أن يكون في الحرم . قوله تعالى : ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ) ، قيل : إن البدن الإبل المبدنة بالسمن ، يقال بدنت الناقة إذا سمنتها ، ويقال بدن الرجل إذا سمن . وإنما قيل لها بدنة من هذه الجهة ، ثم سميت الإبل بدنا مهزولة كانت أو سمينة ، فالبدنة اسم يختص بالبعير في اللغة ، إلا أن البقرة لما صارت في حكم البدنة قامت مقامها ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة فصار البقر في حكم البدن ، ولذلك كان تقليد البقرة كتقليد البدنة في باب وقوع الإحرام بها لسائقها ولا يقلد غيرهما ، فهذان المعنيان اللذان يختص بهما البدن دون سائر الهدايا ، وروي عن جابر بن عبد الله قال : " البقرة من البدن " . واختلف أصحابنا فيمن قال " لله علي بدنة " هل يجوز له نحرها بغير مكة ؟ فقال أبو حنيفة ومحمد : " يجوز له ذلك " ، وقال أبو يوسف : " لا يجوز له نحره إلا بمكة " . ولم يختلفوا فيمن نذر هديا أن عليه ذبحه بمكة وأن من قال : " لله علي جزور " أنه يذبحه حيث شاء . وروي عن ابن عمر أنه قال : " من نذر جزورا نحرها حيث شاء وإذا نذر بدنة نحرها بمكة " ، وكذا روي عن الحسن وعطاء ، وكذا روي عن عبد الله بن محمد بن علي وسالم وسعيد بن المسيب . وروي عن الحسن أيضا وسعيد بن المسيب قالا : " إذا جعل على نفسه هديا فبمكة وإذا قال بدنة فحيث نوى " . وقال مجاهد : ليست البدن إلا بمكة " . وذهب أبو حنيفة إلى أن البدنة بمنزلة الجزور ولا يقتضي إهداءها إلى موضع فكان بمنزلة ناذر الجزور والشاة ونحوها ، وأما الهدي فإنه يقتضي إهدائه إلى موضع ، وقال الله تعالى : ( هديا بالغ الكعبة ) [ المائدة : 95 ] فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدي . ويحتج لأبي يوسف بقوله تعالى : ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ) فكان اسم البدنة مفيدا لكونها قربة كالهدي ، إذ كان اسم الهدي يقتضي كونه قربة مجعولا لله ، فلما لم يجز الهدي إلا بمكة كان كذلك حكم البدنة . قال أبو بكر : وهذا لا يلزم من قبل أنه ليس كل ما كان ذبحه قربة فهو مختص بالحرم ، لأن الأصحية قربة وهي جائزة في سائر الأماكن ، فوصفه للبدن بأنها من شعائر الله لا يوجب تخصيصها بالحرم . قوله تعالى : ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) ، روى يونس عن زياد قال : رأيت